محمد أبو زهرة
35
زهرة التفاسير
ثم يقول الغزالي : وهذا الجنس مما تستعمله الباطنية لتغرير الناس ، ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل ، فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم ، وعلى أمور يعلمون قطعا أنها غير واردة به ، فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي ، ويكون على هذا المراد بالرأي الممنوع الرأي الفاسد الموافق للهوى دون الاجتهاد الصحيح . ثانيهما : المسارعة إلى تفسير القرآن بظواهر الألفاظ من غير معرفة المنقول في موضوعها ، ومن غير مقابلة الآيات بعضها ببعض ، ومن غير معرفة العرف الإسلامي الذي خصص بعض الألفاظ العربية ، ومن غير علم دقيق بأساليب الاستنباط من حمل المطلق على المقيد ، والعام على الخاص ، وإدراك مواضع الإضمار والحذف ، وغير ذلك من الأساليب القرآنية المعجزة ، فإن ذلك يكون تفسيرا بالرأي من غير أهله ، واجتهادا في الفهم بغير أدواته ، وليس ذلك من التفسير بالرأي ، إنما ذلك من التهجم على ما لا يحسن والعمل فيما لا يتقن ، وذلك قبيح في كل شئ « 1 » . الطريقة المثلى : وإن الطريقة المثلى التي توصل إلى الغاية في فهم القرآن ، وتعرف معانيه ، وإدراك دلائل إعجازه هي الاعتماد على النقل والعقل ، فلا يصح الاقتصار على النقل وحده ، ولا على العقل وحده ، وإنما النظر الأمثل هو أن يعتمد على العقل والرأي وعلى السماع من أقوال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في فهم القرآن ، فظواهر القرآن من الألفاظ ، والآثار التي تعاضد الظاهر ، لا تكفى وحدها بل تساعد العقل ، وتفتح له السبل لاستخراج معاني القرآن المتسعة الأفق البعيدة المدى التي توجه الفكر إلى أعمق الحقائق العلمية والكونية والنفسية ، وكلما تفتح العقل في ظل إدراك الألفاظ وظواهر اللغة أدرك إدراكا صحيحا ما تشير إليه الحقائق الكونية ، وما يشير إليه القرآن .
--> ( 1 ) قال المصنف - رحمه الله - في الهامش : راجعنا هذا البحث على الإحياء مع بيان النتائج من مقدماتها .